أبي طالب المكي

110

علم القلوب

من النار تجرد عن الإله وإلا أحرقته النار « 1 » ، فتجرد عن ماله ، ومتاعه ، وأهله ، وولده ، فلما دنا من النار ومعه العصا والنعل ، نودي : فاخلع نعليك ، والق عصاك ، وتجرد عن الكل لمولاك . والتفريد حال موسى ، عليه السلام ، يوم الميقات ، وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا [ الأعراف : 143 ] ، قيل : لما غلب موسى ، عليه السلام ، عن جميع صفاته وحركاته ، وقام مقام الانفراد ، حينئذ ناداه : إني أنا اللّه . والتوحيد حال موسى ، عليه السلام ، يوم سؤال الرؤية ، حين قال له : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، وكان في وقته ذاك ذا إرادة ونظر واختيار ، فلما تجلى من الجليل نوره ، تلاشى موسى من إرادته واختياره ، وخر صعقا ، فلما أفاق من صعقته قال بلا إرادة واختيار موحدا للملك الجبار : سبحانك تنزيها لك عما أردت وظننت أنى أستطيع أن أراك ، وثبت إليك من قولي : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا ، والميعاد يوم العرض واللقاء « 2 » . وقال أبو حمزة الخراساني : محل أبى بكر الصديق في الدين محل التوحيد ، ومحل عمر بن الخطاب محل المعرفة ، ومحل علي بن أبي طالب محل الإسلام « 3 » .

--> ( 1 ) هذا القول معناه : من أراد التجريد لطلب النور الإلهى ، فليتجرد عن كل آلة للنفس ، أو العقل ، أو القلب ، فيها مأرب ، أولها في النفس ، والعقل ، والقلب هوى ؛ أن كل مطالب النفس وأخويها ، أو ما يطلب النفس وأخويها ، إنما هي قواطع وحجب ، هي قواطع ؛ لأنها توقف المدارك الروحانية عند بعض المظاهر العليا من العوالم غير المنظورة ، فتلهو بها وتقف عن مطلوبها ، أو هي قواطع من حيث أنها قد تفسر تلك المظاهر تفسيرا لا يليق بالتوحيد والتفريد ، فيضل بها العبد ويضل غيره ، وفي هذه الحالة يحترق طالب المشاهد بنار الضلال ، وهي حجب ؛ لأنها تغلف مناطق الوعي الروحي من الإنسان ، فتحجب عنها النور المفاض من الغيب الأقدس ، فيعيش العبد وكل ما يدركه هو مدركات الوعي العقلي ، فيحترق بنار الحرمان من نعيم المشاهد لمدارك الوعي الروحي . ( 2 ) في جواز الرؤية واستحالتها مقالات للمتكلمين ، واختلافات واسعة بينهم ، فليرجع إليها من أراد ، لعدم جدوى إثباتها هنا ، فهي مما لا ينفع في باب الإيمان المطلوب شرعا ، وهو الإيمان بالغيب ، واستعمال العقل في تدبير العبادة فحسب ، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 2 ، 3 ] . ( 3 ) إذا أريد معنى الإسلام الشرعي ، وهو النطق بالشهادتين ، كان هذا النقل غريبا ؛ لأن منزلة الإمام ، رضى اللّه عنه ، أكبر من هذا بكثير ، ولعل المراد المعنى اللغوي للإسلام ، وهو -